ابن أبي الحديد
265
شرح نهج البلاغة
قالوا : ولا يصح ما روى في بعض الأخبار أن الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف ، وأن المؤمن يقطعه كمرور البرق الخاطف ، والكافر يمشى عليه حبوا ، وأنه ينتفض بالذين عليه حتى تتزايل مفاصلهم . قالوا : لان مثل ذلك لا يكون طريقا للماشي ، ولا يتمكن من المشي عليه ، ولو أمكن لم يصح التكليف في الآخرة ، ليؤمر العقلاء بالمرور عليه على وجه التعبد . ثم سأل أصحابنا أنفسهم ، فقالوا : أي فائدة في عمل هذا السور ؟ وأي فائدة في كون الطريق الذي هو الصراط منتهيا إلى باب النار منفرجا منها إلى الجنة ؟ ألستم تعللون أفعال البارئ تعالى بالمصالح ، والآخرة ليست دار تكليف ليفعل فيها هذه الأفعال للمصالح ! وأجابوا بأن شعور المكلفين في الدنيا بهذه الأشياء مصالح لهم ، وألطاف في الواجبات العقلية ، فإذا أعلم المكلفون بها وجب إيقاعها على حسب ما وعدوا وأخبروا به ، لان الله صادق لا خلف في أخباره . وعندي أنه لا يمتنع أن يكون الصراط على ما وردت به الاخبار ، ولا مانع من ذلك قولهم : لا يكون طريقا للماشي ، ولا يتمكن من المشي عليه مسلم ، ولكن لم لا يجوز أن يكون في جعله على هذا الوجه والاخبار عن كيفيته هذه مصلحة للمكلفين في الدنيا ؟ وليس عدم تمكن الانسان من المشي عليه بمانع من إيقاعه على هذا الوجه ، لان المراد من هذا وأمثاله هو التخويف والزجر . وأما قولهم : الآخرة ليست دار تكليف ، فلقائل أن يقول لهم : لم قلتم : إنه تكليف ؟ ولم لا يجوز أن يكون المكلفون مضطرين إلى سلوكه اضطرارا ؟ فالمؤمن يخلق الله فيه الثبات والسكينة ، والحركة السريعة فينجو ويسلم ، والكافر يخلق فيه ضد ذلك فيهوى ويعطب ولا مانع من ذلك .